الفيض الكاشاني
161
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء
يخزن لسانه إلا فيما يعنيه ، ويؤلَّفهم ولا يفرّقهم أو قال : ينفرهم - شكّ مالك - ويكرم كريم كلّ قوم ويولَّيه عليهم ، ويحذّر الناس من الفتن ويحترس منهم من غير أن يطوي عن أحد بشره ولا خلقه ، ويتفقّد أصحابه ويسأل الناس عمّا في الناس ، فيحسّن الحسن ويقوّيه ، ويقبّح القبيح ويوهنه ، معتدل الأمر غير مختلف ، لا يغفل مخافة أن يغفلوا أو يملَّوا ، لكلّ حال عنده عتاد ، لا يقصر عن الحقّ ولا يجوزه ، الَّذين يلونه من الناس خيارهم ، أفضلهم عنده أعمّهم نصيحة ، وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة ومؤازرة . قال : فسألته عن مجلسه فقال : كان رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر اللَّه عزّ وجلّ اسمه ، ولا يوطَّن الأماكن وينهى عن إيطانها ، وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهي به المجلس ويأمر بذلك ، يعطي كلّ جلسائه نصيبه ، لا يحسب جليسه أنّ أحدا أكرم عليه منه ، من جالسه أو فاوضه في حاجة صابره حتّى يكون هو المنصرف عنه ، ومن سأله حاجة لم يردّه إلا بها أو بميسور من القول ، قد وسع الناس منه بسطة وخلقا ، وكان لهم أبا وصاروا عنده في الحقّ سواء ، مجلسه مجلس حلم وحياء وصبر وأمانة ، لا ترفع فيه الأصوات ولا توهن فيه الحرم ولا تنثى فلتأته [ 1 ] ، متعادلون متفاضلون فيه بالتقوى ، متواضعون يوقّرون فيه الكبير ، ويرحمون فيه الصغير ، ويؤثرون ذا الحاجة ، ويحفظون - أو قال : يحيطون - الغريب . - شكّ أبو غسّان - . قال : قلت : كيف كان سيرته في جلسائه ، قال : كان رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم دائم البشر ، سهل الخلق ، لين الجانب ، ليس بفظَّ ولا غليظ ولا صخّاب [ 2 ] ولا فحّاش ولا عيّاب ولا مدّاح ، يتغافل عمّا لا يشتهي ، ولا يؤيس منه ، ولا يخيب فيه مؤمّليه ، قد ترك نفسه من ثلاث : المراء والإكثار وممّا لا يعنيه : وترك الناس من ثلاث كان
--> [ 1 ] « لا تنثى فلتأته » معناه من غلط فيه غلطة لم يشع ولا يتحدث بها ، يقال : نثوت الحديث أنثوه نثوا إذا حدثت به . وفي النهاية أي لم يكن في مجلسه زلات فتحفظ وتحكى . [ 2 ] الصخب بالصاد والسين : الضجة واضطراب الأصوات للخصام .